عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
113
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
أموالك ، ولا تعتمد على غير المجربين ، ولا تمتحن المجربين في كل وقت ، ولا تستبدل غير المجرب بالمجرب ، إذ يلزم وقت طويل حتى يحصل على مجرب ومعتمد ، وفي المثل : الشيطان المجرب خير من الإنسان غير المجرب . وامتحن الناس بالناس ثم بنفسك ؛ لأن كل من لا يجدر بنفسه لا يليق بغيره قط ، وجرب الناس بالعمل لا بالقول ، وعصفور بالنقد خير من طاووس بالنسيئة ، وما دمت تربح نصفا من عشرة في سفر البر فلا تسافر في البحر طمعا في ربح خمسة عشر ، لأن ربح سفر البحر إلى الكعب وخسارته إلى العنق ، ولا ينبغي أن تسلم للريح أصل رأس المال الكبير طمعا في الربح الصغير ، وإذا وقعت في البر واقعة فذهب المال ، فلعل الروح تبقى ، وفي البحر يكون الخطر على كليهما ، وللمال عوض أما الروح فلا عوض لها ، وقد مثلوا أيضا عمل البحر بعمل الملك ، يأتي جملة ويذهب جملة ، ولكن إذا ركتب البحر مرة لرؤية الآثار العجيبة فجائز عند القدرة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( اركبوا البحر مرة وانظروا إلى آثار عظمة الله سبحانه وتعالى ) . وماكس في وقت الأخذ والعطاء ، ولا تماكس بعد البيع ، ولا تدع أمرك جملة في أيدي الناس ، فقد قيل : ينبغي مسك الحية بأيدي الناس ، وترك الشوك لأقدامهم . واحسب ربحك وخسارتك جميعا واكتبها بخطك لتأمن من السهو والخطأ ، وحاسب غلمانك وأهلك دائما ، ولا تجعل على نفسك واجبا بيدك ، حتى إذا ما أردت أن تنكره استطعت ، وتفقد شئونك دائما ، واطلع عليها من ربح وخسارة ونقص وزيادة في المعاملة حتى لا تعجز عن معرفة ربحك وخسارتك ، واجتنب الخيانة ، لأن كل من يخون الناس ، يجب أن يعلم أنه كأنما قد ارتكب تلك الخيانة مع نفسه . حكاية سمعت أن شخصا كان له غنم وقطعان كثيرة ، وكان له راع ورع وصالح يجمع كل يوم لبن الأغنام مهما كان ويحمله إلى صاحبها ، وكان ذلك الرجل يخلط اللبن بمقداره من الماء ويعطيه للراعى ويقول : اذهب وبعه ، وكان ذلك الراعي ينصح ذاك الرجل ويعظه قائلا : أيها السيد لا تخن المسلمين ، لأن كل من يخون الناس لا تحمد عاقبته . فلم يسمع الرجل كلام الراعي وظل يفعل ذلك إلى أن أرقد الراعي الأغنام ذات ليلة اتفاقا في مسيل النهر وذهب هو نفسه فوق مرتفع ونام ، وكان فصل الربيع ، وللقضاء الإلهى هطلت على الجبل أمطار غزيرة وسالت وسقطت في هذا المسيل وأهلكت الأغنام ، وفي اليوم التالي جاء الراعي إلى المدينة وذهب إلى صاحب الغنم بغير لبن ، فسأله الرجل لم لم تحضر اللبن ؟ فقال الراعي : أيها السيد قلت لك لا تمزج الماء باللبن لأن ذلك خيانة ، فلم تطعنى ، فالآن قد تجمعت كل تلك المياه التي كنت أعطيتها للناس بسعر اللبن وهجمت ليلة أمس وذهبت بغنمك . فتجنب ما استطعت الخيانة لأن كل من خان مرة لا يعتمد عليه أحد بعد ذلك ، واستشعر الصدق